السبت 22 تموز (يوليو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الأوقاف الأرثوذكسية والاستيطان

برهوم جرايسي
السبت 22 تموز (يوليو) 2017

مرّة أخرى نقف أمام قضية تسريب أوقاف طائفة الروم العربية الأرثوذكسية، في القدس وفي مناطق 1948 من فلسطين، لجهات استيطانية صهيونية. وتلحق بها ديباجات في بيانات منمّقة صادرة عن البطريركية الأرثوذكسية في القدس المحتلة، مليئة بعبارات وطنية، بينما واقع الحال يحكي شيئا آخر، يحكي مخاطر تصفية الأوقاف لصالح الصهاينة، الذين يشنون هجمة شرسة على هذه الأوقاف، ويشجعهم على ذلك تواطؤ من داخل البطريركية على مدى السنين.
والقضية الكبيرة التي تفجرت في الأيام الأخيرة، هي مسألة بيع كلي لحوالي 600 دونم، في الشطر المحتل منذ العام 1948 في القدس المحتلة. وقبل أيام قليلة، كشفت الصحافة الإسرائيلية عن اتمام صفقة بيع 6 دونمات في ميدان الساعة الشهير في يافا، عروس فلسطين. وقبل هذا بأقل من عام، باعت البطريركية 700 دونم في مدينة قيسارية التاريخية، بما تحمل من آثار تاريخية فريدة بجمالها، قائمة منذ مئات كثيرة من السنين.
كما كشف المؤتمر الوطني العربي الأرثوذكسي لفلسطينيي 48، عن بيع 11 دونما على رصيف بحيرة طبريا الشهير، في مركز المدينة، وهذه أرض لا تقدر بثمن، ولها أهمية قصوى، فهي أيضا محاذية للدير الأرثوذكسي التاريخي في المدينة. ويضاف إلى هذا، بيع 60 دونما في مدينة الرملة الفلسطينية.
والقائمة تطول كلما عدنا الى الخلف في السنين؛ فالحزام الاستيطاني الضخم في جنوب مدينة القدس، الذي يفصل المدينة عن مدينة بيت لحم، ما كان من الممكن أن يتم، لولا بيع جبل أبو غنيم، في سنوات التسعين الأولى، في فترة البطريرك ذيوذوروس الأول، ويجثم عليه واحد من أضخم الأحياء الاستيطانية في القدس والمسمى "هار حوما"؛ كما تم في الصفقة ذاتها، بيع أراضٍ مجاورة، كانت تابعة لدير مار الياس. وإذا لم يكفِ هذا، فقد تم في ذات الفترة بيع أو "تأجير" لأمد طويل جدا، أرض محاذية تماما لدير الأرثوذكس في مدينة يافا، أقيمت عليها لاحقا عدة بنايات سكنية لمستوطنين، كانت لهم جولات في مضايقة الطقوس التي تقام في الكنيسة وساحاتها.
لقد جاء ثيوفيلوس الثالث إلى منصبه، قبل نحو 12 عاما، في أعقاب الاطاحة بالبطريرك إيرينيوس، الذي بات معزولا، بعد أن تم في عهده القصير، تسريب أوقاف ومرافق حساسة عند باب الخليل في البلدة القديمة في القدس لمستوطنين. وحسب ما ينشر، فقد تم إبطال الصفقة. و"اللطيف" في الأمر، أن كل بيان صادر عن ثيوفيلوس لتبرير صفقات البيع والتسريب، يتم ذكر إلغاء صفقة إيرينيوس، رغم أن ما حصل في العامين الأخيرين، أضعاف وأضعاف صفقة باب الخليل.
ومن التبريرات التي تطلقها البطريركية، أنها ليست قادرة على تسديد ضرائب متراكمة على الأراضي المفتوحة، وهذه واحدة من أدوات الضغط التي يستخدمها الصهاينة، للسيطرة على الأراضي. ولكن المشبوه في الأمر، الى جانب الرفض المبدئي والقاطع لهذه الصفقات، أنها تتم مع شركات، كما يبدو وهمية، مسجلة في دول صغيرة وجزر نائية في العالم، وهذا النمط تستخدمه عصابات المستوطنين، في كل الصفقات المشبوهة لوضع اليد على الأرض. والخطورة تتضاعف كثيرا في أوقاف القدس وفي مدن فلسطين التاريخية، لأنها كلها تتسرب لجهات استيطانية، تقام عليها مشاريع تهدف لاستمرار سيطرة الاحتلال على المدينة.
وفي الأيام الأخيرة شهدنا حراكا محدودا للتصدي لهذه المؤامرة على الأوقاف. إلا أنه من اللافت أن بعض من دخل على خط المناهضة لممارسات البطريرك ثيوفيلوس، هم ممن دعموا البطريرك المعزول إيرينيوس، ودافعوا عنه لمصالحهم الشخصية، حتى حينما تكشفت صفقة باب الخليل، وهذا يقول الكثير عن دوافعهم الحقيقية.
ما من شك أن البطريركية الأرثوذكسية عالقة تحت ضغوط الصهاينة؛ ولكن في المقابل، ليس واضحا إذا كان لتوسع التعاون العسكري اليوناني الإسرائيلي الحاصل في الفترة الأخيرة، أثر على ما يجري. ولهذا فإن الواجب الساعة يتطلب حراكا شعبيا ومن خلال الأطر التمثيلية لمواجهة تسريب الأوقاف للجهات الصهيوينة، بما فيه اعتداء على حق الأصحاب الشرعيين لهذه الأوقاف، وعلى ما يحمله هذا من انعكاس خطير على القضية الفلسطينية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة