الجمعة 7 تموز (يوليو) 2017
intifada

واقع عربي جميل

حسني عايش
الجمعة 7 تموز (يوليو) 2017

منذ أن فتحنا عيوننا على الاستعمار، وعقولنا على الاستقلال، وقلوبنا تخفق للوحدة العربية. لطالما صدقنا (ورقصنا) لكل حاكم عربي يدعو إليها، أو يتظاهر بالدعوى إليها. ولكننا - ويا للأسف وسوء الخلف- كنا في كل مرة نبتعد عنها، ونحن نعتقد أننا نقترب منها، لينتهي الأمر بالوضع العربي الراهن الذي أنهي الحديث عن الوحدة وكأنها إثم لا يجوز الوقوع فيه. لقد حل التفكيك في قلب العروبة النابض، ودب الانقسام والتشرذم في بروسيا العروبة، وانتشر الخراب في بلدان عربية أخرى.
لكننا لو نظرنا إلى الواقع العربي بالعكس، لوجدنا أنه واقع جميل، فيه الخير كل الخير والسعادة للجميع الناجمين عن تفككه: شعوباً ، ودولاً، وأحزاباً، وأفراداً، فالوضع العربي الراهن فريد لا مثيل له عند أي امة أخرى موحدة، التي ليس لأي منها شعوب بعدد شعوب الأمة العربية، أو دول بعدد دولها، أو بعدد حكامها، أو بعدد حكوماتها، أو بعدد إعلامها، أو بعدد جيوشها، أو بعدد عملاتها، أو بعدد عواصمها، أو بعدد جوازات سفرها، أو بعدد سفاراتها، أو بعدد مندوبيها في الأمم المتحدة. وفي ذلك قوة تتميز بها الأمة العربية.
إن الأمم الموحَدة مسكينة لأن كلاً منها مجرد دولة واحدة، أو لها رئيس واحد، وهكذا، مما يجعلنا نفاخر بالتعددية عليها. أو لم نشعر بالفخر والاعتزاز ونحن نرى حكام الدول العربية الكثر من مختلف الأشكال والألوان والأزياء والأطوال والأوزان، وهم يلتقون في مؤتمرات القمة، ويلقون الخطابات الرنانة مما لا تتمتع بمثله أمة واحدة بدولة واحدة!
لو كنا نفكر جيداً لتباهينا على الأمم الأخرى المحرومة من ذلك حيث لا شعوب ولا حكاما كثرا ولا مؤتمرات قمة. ما قيمة الوحدة أمام التعددية، والدولة الواحدة مقابل العشرين أو الثلاثين أو الخمسين دولة ؟ إن فخرنا بالتفكك سيزداد بازدياده؟ والدليل الأكبر عليه – مثلاً - افتخار كل من حماس وفتح بالانقسام ومواصلته في ظل الاغتصاب الإسرائيلي المشترك.
أي انه بدلاً من دولة واحدة أو رئيس واحد أو برلمان واحد... سيكون هناك خمسون فرصة عمل للفرد أو للحزب. وبدلاً من وزير واحد للتربية والتعليم سيكون هناك عشرون أو ثلاثون أو خمسون... يطوّرونه. وهكذا مع كل انقسام أو تفكك. وسنسخر من الأمم الموحدة التي يمتنع فيها مثل هذا التكاثر السياسي والوظيفي الذي تحسدنا عليه. الوحدة تعني البطالة، والتفكك يعني القضاء عليها.
لو فكرنا ملياً وملياً فقط لوجدنا أنها الأمة الوحيدة في العالم الجامعة للأصالة بالقبلية والعشائرية، والمعاصرة باستهلاك أحدث السلع والخدمات التي ينتجها غيرها.
وعليه أدعوكم أن لا تحزنوا من حالة الانقسام العربي القائمة. لا تظلوا تفكرون بالوحدة فهي مستحيلة، والمستحيل لا ضرورة لتضييع الوقت بالتفكير به. احمدوا ربكم على ما أنتم فيه من تفكك لأنه لا يتاح لأمة غير أمتكم المجيدة. أو لا تدركون معنى ذلك ومغزاه ؟ عندما تدركون ستفرحون بالتفكك وستطلبون المزيد منه.
لو كانت الأمة العربية موحدة لضربتها الحرب الأهلية جمعيها، ولكن التفكك حماها بقصرها على بعضها مثل سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال.
لا تخجلوا بهذا الانقسام ولا تطأطئوا رؤوسكم في المحافل العربية خزياً به. ارفعوها عالياً، وفتّحوا عيونكم بعيونهم واكسروها. إنني على يقين أنها بالغيرة منكم ستراجع استراتيجياتها في الوحدة لتتفكك، فاسكتلندا تحاول الانفصال عن المملكة المتحدة وكاتولنيا عن اسبانيا، والحبل على الجرار.
ما أغبانا وقد ركضنا وراء الوحدة عقداً وراء آخر وضيعنا مواردنا البشرية والاقتصادية والسياسية دون جدوى تقليداً لدراستنا عنها في ألمانيا، وفي ايطاليا وفي روسيا وفي أميركا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 64 / 16817

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة