الأربعاء 31 أيار (مايو) 2017
intifada

متآمرون.. و”مراسيم جنازتي”!

د. فايز رشيد
الأربعاء 31 أيار (مايو) 2017

الانتهازيون في الثورة, كتب عنهم وحذر منهم كل فلاسفتها ومنظروها. لقد استبق نتنياهو زيارة ترامب لدولة الكيان بإعلانه وتأكيده أن القدس ستظل العاصمة الأبدية والموحدة للكيان. من جهته, فإن الرئيس ترامب لمن سمع خطاباته في الكيان, سواء في المطارأو في مقر “ياد فاشيم” وتغزله بـ “الشعب اليهودي” ودموعه التي ذرفها أمام حائط البراق, يخرج بانطباع أنه صهيوني على يمين نتنياهو, لذا سمعنا اقتراحات عديدة من قادة الأحزاب الأكثر تطرفا في دولة الكيان, بتسمية ترامب عضو شرف في كل منها. إن آخر إحصائية عن المدينة المقدسة تؤكد, أن ما بقي من أراضي القدس للفلسطينيين هو 13% فقط. ترامب قال كلاما عاما, فهو لم يدن الاستيطان ولم يذكر حل الدولتين ولم يتفوه بكلمة عن الأسرى المضربين!.
وبالعودة إلى موضوع المقالة, فإن كارثة اتفاقيات أوسلو بعد برنامج النقاط العشر, شكلتا الانعطافة التراجعية في أهداف النضال الوطني الفلسطيني, وواضح منذ بداية نهج المفاوضات العبثي الذي امتد لزمن يزيد عن العقدين, أن العدو الصهيوني لن يوافق على إقامة دولة للفلسطينيين, وأن كل أطروحاته حول هذه القضية هي دعاية إعلامية ليس إلا. بالنسبة للانتهازيين, فقد اعتقدوا لغبائهم أن الصراع مع الكيان الصهيوني قد جرى حله, فبدأ ضباط المخابرات الفلسطينيون يسهرون مع نظرائهم الصهاينة في مواخير تل أبيب , وبدأ التنسيق الأمني مع العدو! وبدأ, وبدأ.. الخ.
الانتهازية في الثورة تأخذ أشكالاً متعددة! ركوب موجة الوطنية من دون فعل هو انتهازية. التظاهر والتفاخر بالمنصب هو انتهازية, التآمر على المناضلين الحقيقين هو انتهازية. أن تكون عضوا في حزب تقدمي ليس معنى ذلك أنك وطني! الذين يجعلون هدفهم التآمر على مناضل هم مزيفون, لا يربطهم بالنضال والوطنية سوى اسم الحزب الذي يقبلهم ,رغم معرفته بضلالهم وانتهازيتهم! احتكار الفهم هو انتهازية. رغم كل وضوح الدولة الصهيونية وإطارها وفهمها للحل, فإن البعض ما زال يتوهم بأنها ستوافق على إقامة دولة فلسطينية, أو يراهن على العدو بأنه سيجنح يوما ما للقبول بالسلام وحل الدولتين, هو انتهازية مبطنة ومقنعة لا تأثير لها سوى المزيد من التراجع للمشروع الوطني الفلسطيني وحقه في كل أرضه من التهر إلى البحر, وتراجع الثورة. قلناها مرارا على صفحات “الوطن” أننا أكثر شعب في العالم لديه قيادات, وأعضاء لا تاريخ لهم من صبيان الأمس يصبحوا أعضاء مكاتب سياسية! ولذا ترانا نحقق النجاحات واحدا تلو الآخر! شعبنا مل من قياداته وعجزها, فاجترح مقاومته الفردية ولو بالسكين!.لماذا ذلك؟ أسرانا مضى عليهم 42 يوما من الإضراب, هل لو كنا في زمن “الكبار” سيكون الوضع على هذه الشاكلة؟ بالتأكيد كلا وألف كلا.
بالنسبة للقسم الثاني من المقالة, فلقد استعرت عنوان كتاب ساخر لصديقي وأستاذي فخري قعوار (شفاه الله وعافاه) بعنوان “مراسيم جنازتي”, وينقل فيه الحوار التالي بين حمار وشخص, يقول الأول (الحمار) لمحاوره: مستحيل أن يصير واحد مثلك مديرا!, فقال الشخص باستخفاف وثِقة: وما الذي يمنعني كي لا أصير مديرا؟ فيجيب الأول: أنسيت أنك حمار؟ يجيب الشخص: لا لم أنسَ أنني حمار, ولكني أرى أن (الحُمُورِيَّة) ليست سببا كافيا لعدم تعييني مديرا، تنهد الحمار وقال: دنيا!! .هذا العنوان استعاره الشاعر المغربي المبدع (المقيم في بريطانيا) بن يونس ماجن في قصيدته بعنوان “بعد عودتي من مراسيم جنازتي” وفيها يقول: “منذ ستين عاما وانا أحمل نعشي…بين حفر ترفض أن تواريني.. ولكن ,شبر واحد يكفي.. ليؤنس وحشتي”!. ما قصدت قوله مما كتبت :أن المسألتين هما احتجاج على مظاهر الانحطاط التي نعيشها في هذا الزمن الرديء !ذلك عندما تتحول الحياة إلى موت بطيء لكل ذي ضمير, فكم من ملايين أحياء لكنهم في حقيقتهم ميتون ,إن لم يكن موتا جسديا, فهو انعدام أي تأثير لهم في الواقع الاجتماعي المعاش!. ولهذا استلهم شاعرٌ عربي مجهول الإسم بيتا من الشعر يقول فيه: وكم رجلٍ يعد بألفٍ, وكم ألفٍ تمر بلا عدادِ! ليس المقصود بقولي هذا الاستهزاء بأحد, وإنما هو انتقاد لمرحلة وصفها الفذ المرحوم هيكل بأنها “غياب للعرب عن التاريخ والواقع”.
وفي التفصيل أقول, الموت حق, وبعد الخامسة والستين يصبح العد العكسي للعمر في انتقاص مستمر. كثيرون أوصوا في هذه الحياة بأن تكون جنازة كل منهم في منتهى البساطة, منهم الأخ الكبير والأستاذ لكل من كتب في حقل الرواية والقصة القصيرة, المبدع حنا مينة (الذي شرفني بكتابة مقدمة مجموعتي القصصية الأولى بعنوان “وداعا أيها الليلك”) أطال الله في عمره وعافاه. وصيته بالنسبة لمراسيم جنازته تحمل فلسفة البساطة! فالإنسان إن لم تخلده أعماله وكتاباته وكتبه (بالنسبة للكاتب), ونضالاته والتحامه مع قضايا شعبه وأمته, فعلاً لا قولاً وليس تنظيرا فقط, فلن تصنع منه جنازة كبيرة ولا نعي كبير الحجم في الصحف, ولا الخطابات في المقبرة التي تشيد بالفقيد, ولا البوستر الذي سيحمل صورته إن حضروه, لن تصنع منه إنسانا يذكر الآخرون. لكل ذلك, أوصى كاتب هذه السطور مَن بعده, بتكليف شركة دفن بنقل جثمانه, وإن سار فيها محبون حقيقيون فهم أحرار, والشكر المتأخر لهم, فلا حاجة به للانتهازيين, الذين حاولوا النيل منه في حياته ولم بستطيعوا ولن يستطيعوا بالتأكيد والحمد لله أن كيدهم رُد إلى نحورهم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 94 / 16817

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة