الأربعاء 31 أيار (مايو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

أوهام الاحتلال في القدس

برهوم جرايسي
الأربعاء 31 أيار (مايو) 2017

أحيت إسرائيل في الأيام القليلة الماضية الذكرى الـ 50 لعدوان حزيران (يونيو) 1967، واحتلال القدس. وفقط نظام تتملكه عقلية المجازر والإبادة الجماعية، يحتفل بجرائم الحرب التي يواصل ارتكابها بحق شعب بأسره، ويعتبرها انتصارا. إلا أننا على مدى الأيام السابقة، قرأنا وسمعنا الكثير من ذوي الاختصاص الإسرائيليين، الذين يحذرون حكومتهم من أن ضمّ القدس لما يسمى "السيادة الإسرائيلية"، بقيت وهماً. وأن المدينة ما تزال مقسّمة بين شرق وغرب، رغم استشراس المشاريع الاستيطانية.
وكانت تقارير هذا العام التي تؤكد على أن القدس ما تزال راسخة بهويتها الفلسطينية، لافتة في كميتها، وانتشارها في جميع وسائل الإعلام. إلا أن خلفيات هذه التقارير متنوعة، فهناك قلة تدعو الى انسحاب الاحتلال من الشطر المحتل منذ العام 1967، مع فرض نظام خاص في البلدة القديمة وللأحياء الاستيطانية؛ في حين أن خلفية الغالبية تريد "التخلص" من الأحياء الفلسطينية، وعزلها كليا عن مركز المدينة، بمعنى البلدة القديمة، بهدف اختلاق أغلبية يهودية.
وهذا العزل القائم لقسم كبير من المدينة منذ سنوات، سيحول الأحياء والضواحي الفلسطينية الى أسوأ مما هي عليه الآن. بمعنى تشديد حصارها، وخنق الأهالي ومنعهم من ممارسة حياة طبيعية في مدينتهم. فحتى الآن، فإن ما لا يقل عن 150 ألف مقدسي يعيشون في أحياء باتت خلف الجدار، الذي يخترق المدينة بطول قرابة 45 كيلومترا، وهؤلاء يعيشون في ظروف حياتيه قاسية، هي بحد ذاتها جريمة ضد الانسانية يرتكبها الاحتلال.
وبالإمكان القول إن في الكنيست أغلبية كبيرة من الائتلاف والمعارضة، التي تؤيد عزل المزيد من الأحياء الأقرب الى البلدة القديمة، بدءا من ضواحي شعفاط وبيت حنينا شمالا، مرورا بالعيساوية وصور باهر شرق، وغيرها. وهذا لن يكون بأي حال من الأحوال انسحابا للاحتلال من المدينة، بل ضربها بالمزيد من ويلاته.
ومن ناحيتنا فإن أوهام الاحتلال، هي مراهنته على تدجين أهالي القدس و"أسرلتهم" على مر السنين، ليعزلوا أنفسهم عن شعبهم وقوميتهم. وهي ذات الأوهام الصهيونية تجاه فلسطينيي 48، ولكن في الحالتين فإن الأوهام تفرقعت، وها هو الاحتلال يعترف بذلك.
ولكن هذا ليس مدعاة للارتياح من ناحيتنا، فالاحتلال نجح حتى الآن في عزل المدينة كليا عن الضفة المحتلة، وبالتالي عزل القسم الأكبر من أهالي المدينة عن التواصل الطبيعي مع سائر أنحاء الضفة، وهذا له انعكاسات اقتصادية قاسية جدا؛ فالمدينة تعاني من بؤس الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، والحركة التجارية، بائسة، وبالامكان القول، إن الغالبية الساحقة جدا من متاجر البلدة القديمة، فإما هي مغلقة، وإما أن مداخيل المتجر لا يمكنه تأمين مصروف عائلة.
في حين أن فرص العمل أمام الجمهور الواسع ضيقة للغاية، ونسبة عالية جدا من المقدسيين يعملون في أعمال بسيطة، وليست أماكن عمل مستقرة، ولهذا فإن مردودها المالي ضعيف للغاية. وحسب التقديرات، فإن أكثر من 65 % من المقدسيين يعيشون تحت خط الفقر، بالمقاييس الإسرائيلية. وهذا واقع له آثار اجتماعية بائسة، وبارتفاع نسبة الجريمة والعنف المجتمعي بين الفلسطينيين أنفسهم. وبالتأكيد أن سياسات الاحتلال وضعت هدفا لضرب النسيج المجتمعي الفلسطيني، كي يبقى الفلسطينيون شريحة ضعيفة، تلهث وراء قوت يومها، عاجزة عن مقاومة الاحتلال، ولكن في هذا أيضا فشل الاحتلال.
ونحن في الفاتح من رمضان، فإن الحذر في هذا الشهر يتزايد، مما يبيته الاحتلال للقمع والتنكيل بأهالي المدينة، وبمئات الآلاف الذين سيتدفقون عليها، بالأساس من فلسطين 48؛ في حين أن الملايين في الضفة والقطاع سيكونون محرومين كليا من دخول المدينة، كما هو الحال منذ قرابة عقدين من الزمن. ومنهم من هو على بعد دقائق سفر، وأبعدهم لا أكثر من ساعة ونصف الساعة، لو كانت الطرق مُيسّرة.
القدس أسيرة حزينة، وفي رمضان يبرز بؤس المدينة أكثر؛ ولكن القناعة الراسخة، هي أن الاحتلال زائل، والقدس بهويتها باقية لأهلها.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 7 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة