الجمعة 4 آذار (مارس) 2016
الانتفاضة -Alintifada

تحليل خطوط في قلنديا

بقلم: احمد جميل عزم
الجمعة 4 آذار (مارس) 2016

قريبا من مخيم قلنديا، قبل شهرين، كان بيت العزاء في ساحة منزل عائلة الشهيد، ما أربك الطفلة والطفل الصغيرين. إذ قبل وقت ليس بالطويل، شهد المكان نفسه حفل زفاف، واستؤجرت للعزاء والعرس الخيمة عينها أو شبيهة بها. وطفلا الشهيد لم يستوعبا بعد (في ثاني أيام العزاء) أن والدهما استشهد، ويسألان متى يأتي، ويظنان أنهما في حفل زفاف، ويلوحان بالأعلام.
يوم الثلاثاء الماضي، كان استيعاب مشهد بيت العزاء في المخيم تدريجياً؛ إذ ترفع رأسك قليلا وتنظر يميناً وشمالاً وفوقك؛ صور شهداء وأسرى، ولكنهم ليسوا شهيدنا اليوم. تحاول تذكر تتابعهم، فمخيم قلنديا وحده قدّم في الهبة الراهنة أربعة عشر شهيداً. وبعد قليل تلاحظ أن صور إياد سجدية بدأ تعليقها بجانب باقي الشهداء والأسرى أثناء العزاء.
العزاءُ لا يَجُبُّ ما قبله، وكل عزاء يدخل القاعة لا يَخرُج، بل يَبقى ويُضاف. والمعزون أكثر، كأنّ كل عزاء يأتي بمعزين جدد ويبقى السابقون، ومع كل عزاء يرتفع الغضب.
تخفض رأسك قليلاً وتنظر، هذا سامي الكسبة أمامي، والد ثلاثة شهداء، ارتقى الأول العام 2002، واثنان العام الماضي. وعلى يميني "مُزيّن الشهداء" الذي يأتونه عند ارتقاء الشهداء ليحضرهم للدفن، ويحدثك عن هذه الإصابة وماذا فعلت الرصاصات بالرأس. ويخبرك الجالس يسارك، أنّ رفيقك الذي ترافقه، كان مسؤوله التنظيمي في الشتات العام 1989، وأنّ القصة بدأت عندما دخلت سيارة إسرائيلية فيها جنديان، بلباس مدني، ولكن لوحة السيارة فضحتهما، وكان الرد الفوري من الشبان بالتصدي. وتطور الأمر؛ فطائرة في الجو والعربات المصفحة، ترافقها الجرافة، على الأرض، ونحو ألف جندي يحاولون إنقاذ الجنديين. ويخبرونك في العزاء: "لقد رأيت الجنود بأم عيني يمسحون دمهم عن الأرض".
شقيقُ الشهيد الصغير يشبه أبناء ذلك الشهيد، ينسقُ حجارةً على الأرض، من دون هدف واضح. ويبتسم للفتيات القادمات من الجامعة للعزاء، ويشير إلى صورة شقيقه على الحائط ويسأل "أتيتن لأجل إياد؟".
في الإذاعة، الكلماتُ على سجيتها؛ حزينةٌ تتذكر الفرح. تقولُ زميلته: سألني إياد "هل ستقدمين مشروع التخرج هذا الفصل؟". فترد: "صعب سأؤخر التخرج". ويجيبها: "قدميه هذا الفصل (خلي الحجة (أمها) تزغرد)!". ويأتي الصبايا والشبان، زملاؤه وزميلاته يعزّون، ويحتضنّ مُعلِمَتَهُنَّ المُعزِية، ويَدمَع الشُبّان.
كان إياد كغالبية شباب المنطقة الجامعيين؛ يدرسون صباحاً، ويعملون مساءً أو ليلاً. كان وسيم بائعاً في محل ملابس، ويدرس الإعلام في جامعة "القدس"، ويفكر بمشروع التخرج.. وحضر شريكه في المشروع للعزاء!
طلبتنا في كل مكان يعملون؛ يبيعون في محل، أو قد يقدمون القهوة في المقهى، يقدمونها لنا ونتحدث عن مساقاتهم وأبحاثهم.
تَحوّل بيت العزاء إلى أقرب ما يكون لمنزل كبير مكتظ، كما المقهى يتحول إلى بيت وأنت مع طلبتك، وتخشى عليهم. يختلط في خطابات قيادات الطلبة الحديث عن مشروع التخرج مع عبارة "دين عليك دماؤنا والدين حق لا يؤجل". ويأتي شبان ثائرون يصافحون أستاذهم الجالس أمامي ويعبرون عن الاحترام.
تسلسل حديثي مع زميلتي من إياد إلى خطوط الطلبة..
قالت إنّ طالباً سألها كيف عَرفتِ أنّه أسير محرر؟ قالت "من خطك".
سألتُها: ماذا قصدتِ؟
قالت: خطوط الأسرى مرتبة منسقة. فأجبتها رغم أنّ هذا ليس دائماً، ولكنك حللتِ لي لغزا؛ فقبل سنوات أبهرتني إجابةُ امتحان؛ نحو سبع صفحات من التحليل والمعلومات من دون شطب أو ارتباك، بل خطٌ أنيق. قاطعتني: "كالمطبعة".. فاستأنفتُ: وكان صاحبها أسيرا محررا. وتحدثنا أن بعض الشبان يخرجون أيضاً بنفس وروح معذّبتين، فالمعتقل مكان للسحق، بقدر ما يصهر ويُحدث صلابة حيناً، يحدث ألماً وتمزقا.
تنظر إلى قلنديا، المخيم، شأنه شأن أماكن أخرى، بالنسبة للشبان كأنّهم يكتبون الإجابة التي لديهم بذات طريقة الأسير، بوضوح وجلاء. هناك قواعد قرروها: لا يُسمح للاحتلال بالدخول هنا، ونحن سنعلن قلعتنا ودولتنا وكرامتنا ووجودنا مع مشروع تخرجنا، وقهوتنا، وفرحتنا... سنفعل سواءً صعدنا المنصة للاحتفال، أو ارتفعت صورتنا في قاعة العزاء. "وسنكتب إجابتنا، حتى لو تخاذل من يجب أن يضع المنهج وفشل في أن يرشدنا ويقودنا، نحن سنصنع المن


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 20 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة