الاثنين 22 أيار (مايو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

القضية المحورية العربية

د. عبدالله السويجي
الاثنين 22 أيار (مايو) 2017

ما هي القضية المحورية المشتركة للوطن العربي؟ هل هي مكافحة الإرهاب، أم هي قضية فلسطين، أم هي قضية الديمقراطية، أم هي قضية الوحدة العربية أو التعاون العربي أو التنسيق العربي في أدنى تعريفاته، أم هي الطموحات الإيرانية في الوطن العربي؟ أم أن هناك قضايا قد تكون محورية مثل البطالة والأمية والفقر؟
حين يدور الحديث في الوطن العربي عن الإرهاب فإنه حسب أدبيات السياسة والإعلام العربي المتمثل بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وتحديداً جبهة النصرة وتنظيم داعش وجميع التنظيمات التي تؤمن بالمنهج التكفيري. التنظيمان المشار إليهما اتفق العالم على تصنيفهما بالإرهابيين، على الرغم من الجدل المحتدم حول هذا التصنيف ومعناه ودلالاته، خاصة أن رجال دين كثيرين قد يوافقون على وصف التنظيمين بالإرهاب ولكنهم لا يلجؤون إلى تكفيرهما، فهما إسلاميان ينتهجان الأسلوب المتطرف في تطبيق الأحكام والشرع. أي أن المسألة قضية اجتهادية في المقام الأول، ثم إن العالم، ومن بينه الوطن العربي لم يضع حتى الآن تعريفاً دقيقاً للإرهاب، لا سياسياً ولا قانونياً. وفي اللغة، فإن الإرهابي هو الذي يرهب الآمنين ويفزعهم، وأرهب تعني خوّف وأفزع، ويبقى الحكم على الكلمة وفعلها من خلال غاياتها. وفي هذا السياق، فقد يرهب الإنسان عدوه، وفي هذا يكون العمل إيجابياً لأنه يحمل معنى حق الدفاع عن النفس، وأبرز مثال على ذلك، أن يقوم الفلسطيني بإرهاب الجندي «الإسرائيلي» الذي يحتل وطنه، لأنه لا يقوم بأعمال العنف والإرهاب لذاتهما، ولكن من أجل مصلحة وطنية. وهكذا تفهم كل جهة تمارس الإرهاب وتجعله فضيلة، ولهذا، لا بد من تقديم تعريف لمصطلح الإرهاب، ولكن التأخير واقع بسبب تضمينه الأهداف السياسية، وتجييره لأهداف وغايات.
وأزعم أن الوطن العربي، على الصعيد الشعبي منقسم بشأن تعريف الإرهاب أو التعامل معه، ولهذا، وجد التنظيمان، «داعش» والنصرة بيئات حاضنة لهما.
القضية الفلسطينية هل هي قضية العرب المحورية؟ ربما كانت كذلك قبل عودة الراحل أبو عمار وثلاثين ألفاً من المقاتلين إلى بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، ليمارسوا حياتهم فيما بات يسمى أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، التي أصبح لديها سفارات كتب على كل واحدة منها «سفارة دولة فلسطين»، رغم أن هذه الدولة لم تقم بعد، وتتآكل يوما بعد يوم. وقد زاد الطين بلة خروج مصر والأردن من الصراع العربي - «الإسرائيلي» عن طريق توقيع اتفاقيات، وتنشغل باقي الدول حالياً إما بالتعامل مع الفوضى الداخلية مثل العراق وسوريا وليبيا وتونس والصومال والسودان، وإما تنشغل في قضية إقليمية مثل انشغال دول الخليج بالموضوع اليمني لوقف التمدد الإيراني. والعرب منقسمون في هذا الشأن كما هم منقسمون تجاه قضية فلسطين والصومال ولبنان وسوريا والعراق وغيرها. وباختصار لم تعد القضية الفلسطينية تشكل القضية المحورية للعرب.
هل تشكل الديمقراطية قضية محورية في العالم العربي؟ لا يمكننا الجزم بالإيجاب لأنها ليست كذلك، فميثاق جامعة الدول العربية لا يتدخل بشكل نظام الحكم في الدول الأعضاء ولهذا يُنظر إلى الديمقراطية على أنها موضوع داخلي لكل دولة، رغم أن جامعة الدول العربية تنازلت عن هذا البند وتدخلت في مصر وسوريا وليبيا وتونس وتحدثت عن الديمقراطية، ناهيك عن أن الديمقراطية مصطلح مربك لدول توجد فيها نسب عالية من الأمية وأخرى نسب عالية من المذهبية والطائفية، ناهيك عن وجود أنظمة ملكية وقبلية وأسرية، وقد أثبتت هذه الدول الملكية والأسرية قدرتها على تحقيق النمو لشعوبها أكثر من الدول التي تدعي الديمقراطية والتعددية. لهذا لا نستطيع القول إن الديمقراطية قضية محورية في الوطن العربي، ويمكن قياس ذلك أيضا على الوحدة العربية التي باتت شعاراً مستهجناً لم يعد يتطرق إليه أحد جراء الفشل في التجارب وعدم الاستعداد للتعاون والتنسيق في أدنى مستوياته.
هل تشكل إيران قضية محورية في الوطن العربي؟ يبدو أن عدداً لا بأس به من الدول العربية تنظر إلى إيران على أنها تحاول تصدير الثورة الإسلامية الخمينية إلى أراضيها، وتطالب بالوقوف في وجهها، لكن هناك دول لم تقتنع حتى الساعة بهذا المنطق وتبقي على علاقاتها مع إيران عادية أو جيدة، بينما هناك دول وأهمها دول الخليج العربي في معظمها ودول عربية أخرى تتعامل مع خطر التمدد الإيراني بجدية، ربما يعود هذا للقرب الجغرافي وإشراف إيران على طرق الملاحة الدولية مثل مضيق هرمز وتسعى إلى السيطرة على باب المندب، ناهيك عن ثقة إيران بقدرتها على التحكم بحركة الملاحة في الخليج العربي، وهو ما جعل السعودية تقود تحالفاً عسكرياً لمحاربة الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران، وانعكس هذا الأمر على حزب الله في لبنان والتواجد الإيراني في العراق، ويبدو أنه من حق دول الخليج أن تقلق وتوقف النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.
أما القضايا الأخرى مثل البطالة والأمية والفقر فهي تتضاءل أمام القضايا السياسية والاستراتيجية، على الرغم من أهمية هذا الثالوث الخطر ودوره في انتشار العنف في المنطقة، كما أنه ينظر إليه على أنه قضايا داخلية لا يجب التدخل لحلها.
العرب اليوم بلا قضية محورية مشتركة، رغم أن كل قضية من القضايا المذكورة تشكل قضية محورية لما تحمله من أخطار على الاستقرار في الوطن العربي، وإلى أن يتفق العرب على قضية محورية يحاربون من أجلها سيبقون متشرذمين منقسمين، ومهددين أيضا بالتقسيم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة