الأحد 21 أيار (مايو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

القضية والرجال

عبد الله السناوي
الأحد 21 أيار (مايو) 2017

لم يفكر طويلاً فيما عرض عليه للتو، واتخذ قراره بالانضمام إلى إضراب الأسرى الفلسطينيين في السجون «الإسرائيلية».
بدا كل شيء واضحاً وصريحاً أمام «أحمد سعدات» أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن ينكسر زخم الإضراب وأثره من داخل الأسرى أنفسهم.
كان العرض «الإسرائيلي» أن تشرع فوراً إدارة السجون بمفاوضات معه تخفف الشروط القاسية، التي يعانونها في الأقبية المعتمة. بكلمات مختصرة، قال: «للتفاوض عنوان واحد هو مروان البرغوثي، الذي دعا للإضراب ويقوده».
حدث ذلك في الأيام الأولى من الإضراب، ومن بين أهدافه منع أسرى الجبهة الشعبية وفصائل أخرى من الانضمام لأوسع حركة تمرد داخل السجون منذ سنوات طويلة، بما تحمله من رموز ورسائل في توقيت حرج قد يتقرر بعده مصير القضية الفلسطينية كلها.
فشلت المحاولة، وتصاعد الإضراب، القضية فوق الرجال، وأهم من الفصائل هذا المعنى الحقيقي فيما استمعت إليه في بيروت على هامش مؤتمر دولي سنوي يحمل اسم «العدالة لفلسطين» من قيادات الجبهة الشعبية، الذين تلقوا تعليمات «سعدات» بالوقوف الكامل وراء «رمزية مروان البرغوثي» في دعوته للإضراب.
الرجلان يقبعان منذ سنوات طويلة في زنازين الاحتلال بلا أمل تقريباً في أي إفراج. «البرغوثي» أُدخل السجن عام (2002) على خلفية أدواره في قيادة الانتفاضة الفلسطينية، وصلته الوثيقة بالجناح العسكري ل«فتح». و«سعدات» لقي ذات المصير عام (2006) على خلفية ضلوع الجبهة الشعبية في اغتيال وزير السياحة «الإسرائيلي» العنصري المتطرف «رحبعام زئيفي».
هناك آخرون من بين عشرات آلاف الأسرى قضوا فترات أطول داخل السجون تتجاوز أحياناً الثلاثين سنة، وفي وجدانهم أن هناك ما يستحق التضحية بأعمارهم وحريتهم.
بقدر عدالة القضية الفلسطينية تكتسب التضحيات معناها. وقد كانت واحدة من أسباب تراجع تلك القضية رغم عدالتها صراعات الفصائل بما تحمله أحياناً من نظرات ضيقة وحسابات صغيرة.
في اللحظة الراهنة لا يتبدى على مسارح الأحداث من هو جدير بالحديث باسم عدالة القضية الفلسطينية وعذاباتها سوى هؤلاء الذين يعانون الأسر الطويل.
في الصوت الواهن دوت الحقيقة، أن هناك شعباً يعاني تمييزاً عنصرياً، يقتلع من أرضه، وينكل بحقوقه المنصوص عليها في قرارات دولية، وأن المشاحنات المتوقعة بين بعض فصائله إياها أكثر استعداداً لتقديم التنازلات المجانية التي لا تليق بأعدل القضايا في التاريخ الإنساني المعاصر.
لصمود الوهن قوة الإلهام، وهذا ما تحتاج إليه فلسطين الآن، أن تثق في نفسها وعدالة قضيتها وقدرتها على كسب الضمير الإنساني إلى صالحها.
عند تحطم سور برلين عام (1989) تزاحمت على المشهد التاريخي نزعتان متناقضتان، الأولى تعلن أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة قد بدأ بعد سقوط القطبية الثنائية بتفكيك الاتحاد السوفييتي، وتحلل حلف «وارسو»، ونهاية الحرب الباردة كما شاعت نظرية «نهاية التاريخ».. والثانية تضغط لإنهاء أخطر أزمتين تمثلان عبئاً على الضمير الإنساني، هما: الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي».
بزخم دولي في توقيت متزامن بدأت المفاوضات لإنهاء الأزمتين، نجحت الأولى، وتعثرت الثانية.
خذل الرجال القضية، واتسع مجال التنازل والسباق إليه، وكان الثمن فادحاً، أو سلاماً بلا أرض بتعبير المفكر الفلسطيني الراحل «إدوارد سعيد».
بالتوقيت نفسه رغم اختلاف الظروف والتعقيدات التي لا تقاس على الصراع العربي - «الإسرائيلي» نجح حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في التوحد خلف راية واحدة وقيادة واحدة لخصها «نيلسون مانديلا»، الذي كان مسجوناً ب«جزيرة الشيطان» لسبع وعشرين سنة، اختفت صورته تماماً، ولم يعد أحد يعرف الصورة التي قد يبدو عليها باستثناء أسرته ومحامييه.
لم يكن «مانديلا» زعيماً متوجاً لحركة النضال الإفريقي لإلغاء الفصل العنصري، فقد أدخل السجن في شبابه على خلفية اتهامه بالعمل المسلح. كان صوته مسموعاً ومؤثراً؛ لكنه لم يكن في صدارة القيادة.
هذه حقيقة تاريخية اعترف بها الزعيم الإفريقي الكبير في ذروة قوته، قبل سنوات من التفاوض بدا لقيادات «المؤتمر الإفريقي» في الخارج أن قضيتهم بحاجة إلى إحياء جديد يُذكر العالم ببشاعة الفصل العنصري.
من الأفكار التي ناقشوها بجدية تلخيص القضية في رمز يطالبون بالإفراج عنه، ويكون الإفراج بذاته عنواناً على بدء كسر القيود عن الرجل الأسود.
ولم يكن في التخطيط العام أن ذلك يؤهله للتفاوض باسم شعبه لإنهاء التمييز العنصري، وأنه في لحظة تاريخية بعينها بعد نهاية الحرب الباردة، والبحث عن حل للأزمة في جنوب إفريقيا سوف يرتفع برمزيته إلى مستوى الموقف التاريخي.
عندما نجح الأسير «مانديلا» في التوصل إلى اتفاق قبله «المؤتمر الإفريقي» وأفرج عنه عام (1990) أخلي المجال أمامه تماماً للتقدم التنظيمي.
اللافت في القصة كلها أن القادة التاريخيين انسحبوا طوعاً من تلك المشاهد التي توجت التضحيات والعذابات الطويلة.
كانت القضية أهم من الرجال. لم يكن ذلك هو ما جرى في القضية الفلسطينية عند لحظة بدء المفاوضات بعد سقوط «سور برلين».
إذا كان لي حق الاقتراح لإعادة إحياء أنبل القضايا في التاريخ الإنساني المعاصر، فإن التجربة الإفريقية ملهمة وشخصية «البرغوثي» تسمح بالرهان عليه رمزاً معذباً للحق الفلسطيني في لحظة تقرير المصير.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 3 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة