الثلاثاء 16 أيار (مايو) 2017
انتفاضة التحرير

إرادة لا تنكسر

حسن مدن
الثلاثاء 16 أيار (مايو) 2017

تحضرني الآن ذكرى حفل أقيم في قاعة جامعة بيروت العربية في مطالع الثمانينات الأخيرة لتكريم الشاعر الفلسطيني الكبير «أبو سلمى»، بحضوره، وحضور الزعيم الراحل ياسر عرفات وقادة فلسطينيين آخرين، وألقى فيه محمود درويش كلمة تفيض شعراً وثورة وحنيناً وأملاً.
خاطب محمود الشاعر المحتفى به، لا بالحرف، وإنما بما معناه: نشأ جيل فلسطيني لم ير من فلسطين سوى يدك، فكأنه، عبرها، رأى فلسطين.
دعونا من المجاز في العبارة، فهي تعبر عن حقيقة أن أجيالاً من الفلسطينيين، لا جيلاً واحداً فحسب، بعد أن طال أمد المحنة، ولدت خارج فلسطين، ولم تر منها «كمشة» تراب واحدة، لكن مقدار تعلقها بفلسطين لم ينقص. صحيح أن الحلم مازال أبعد ما يكون عن متناول اليد، بل هو، اليوم، أبعد مما كان عليه، ولكن «انتصار» العدو الحقيقي سيكون بوأد هذا الحلم، بحمل الفلسطينيين على اليأس.
ربما لم يعد بطل رواية «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، الذي كان مبحراً فوق البحر الأبيض المتوسط إلى فلسطين كما كان يحلم، هو الذي ما إن رأى أضواء ثغورها وهي تتلألأ في ليل البحر، حتى انتابته لوعة ونشوة، ومن على ظهر السفينة أقسم بأنه سيقف على قمة رابية من روابي فلسطين، بين الصنوبرات العتيقة، فوق منحدرات الدوالي والتين والمشمش والزعرور، وإنه من هناك سيرفع يده إلى السماء كالمجنون ويصيح بأعلى صوته: يا بلدي!
ربما مات في أرض بعيدة عنها، بعد أن أنجب أبناء وبنات لم يروا الأرض التي حلم بأنه سينجبهم فوقها هو الذي قال إنه سينجب عشرة أولاد يضيفون إلى روعة الحياة وإلى مآسيها كذلك.
لكن الحلم الفلسطيني لم يمت ولن يموت، بالتصدي لكل المساعي الرامية لطمس حق الفلسطينيين في أرضهم وفي بناء دولتهم المستقلة عليها، وهي مساعٍ ازدادت غلواً ونشاطاً مع حال الخراب العربية الراهنة.
أمس مرت الذكرى السنوية التاسعة والستون للنكبة الفلسطينية في عام 1948، ذكرى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم، في واحدة من أكبر جرائم العصر وأشدها وحشية وبربرية، اقترفت خلالها مذابح وفظائع، بضلوع الدول الاستعمارية، التي أمنّت الغطاء لكل ذلك بدءاً من «وعد بلفور»، مروراً ب«تحصين» الاحتلال بقرارات دولية، وبعجز النظام الرسمي العربي الذي أرسل أسلحة فاسدة وجيوشاً لم تحارب، تاركة الفلسطينيين وحدهم.
تمر هذه الذكرى المشؤومة والعالم العربي في أشد حالاته تفككاً وعجزاً، والقيادة الفلسطينية منقسمة إلى قيادتين لا حول ولا قوة لأي منهما.
لكن من عتمة هذا الظلام، يأتي إضراب الأسرى الأبطال ليثبت أن إرادة الفلسطيني لا تنكسر، رغم كل هذا التكالب عليه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة