الأحد 14 أيار (مايو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

«إسرائيل» وسياسة هدم المنازل

محمد خليفة
الأحد 14 أيار (مايو) 2017

أقر «الكنيست «الإسرائيلي»» يوم 5-4-2017 في جلسة استثنائية قانوناً يهدف إلى تسريع هدم منازل بزعم أنها غير مرخص لها في الأراضي المحتلة والتي تعد بالآلاف، إضافة إلى فرض غرامات على أصحابها. ونص القانون على زيادة عدد الهيئات المسموح لها بالشروع في عمليات الهدم وتنفيذها، عبر الانتقال من الإجراءات القضائية إلى الإجراءات الإدارية، والحد من سلطة المحكمة التي تقوم بتأجيل أوامر الهدم. وهذا القانون، الذي شرعته «إسرائيل»، يتخذ من التمرد على قانونية التاريخ أسلوبه في ممارسة الوجود السياسي والديموغرافي.
ولا عجب في ذلك، فالصهيونية هي التطبيق العملي لليهودية التوراتية، وهي التي تكشف عن قِواها المحركة وعن قانونيتها الموضوعية، وتوحد بين النظرية والممارسة في العمل السياسي. ولم تدخر «إسرائيل» منذ وعد بلفور المشؤوم وسيلة من وسائل العقاب إلا أنزلتها بالشعب الفلسطيني بهدف إخضاعه بشل كامل، ومنعه من إقامة دولته المستقلة على ما بقي من أرض فلسطين.
وتأتي سياسة هدم المنازل في مقدمة تلك الوسائل التي اتبعتها الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة من أجل القضاء على جذوة المقاومة ودفع الفلسطينيين إلى الاستكانة والقبول بالأمر الواقع. وتتماشى سياسة هدم المنازل مع الاستعمار الاستيطاني الذي قامت عليه «إسرائيل»، ذلك أن فلسطين لم تكن خالية من البشر عندما تدفقت موجات المهاجرين اليهود إليها مطلع القرن العشرين، بل كان هناك شعب كبير يعيش موزعاً بين المدن، والقرى، والمزارع الصغيرة. وبعد إعلان قيام دولة «إسرائيل» تم تهجير مئات الآف الفلسطينيين من مدنهم، وقراهم، وأعقب ذلك قيام سلطات الاحتلال بتدمير 418 قرية مهجورة حتى لا يعود أهلها إليها، وهذه القرى لا تزال مدمرة حتى اليوم، وعملت «إسرائيل» على تفريغ القدس من سكانها العرب لجعلها مدينة يهودية خالصة، حيث تم هدم 1783 منزلاً فلسطينياً في هذه المدينة، وتم تشريد 8382 مواطناً فلسطينياً، وفي المقابل تم تشجيع اليهود على الاستيطان في القدس حتى أصبح هؤلاء يشكلون أغلبية فيها اليوم.
وعندما اندلعت الانتفاضة الأولى، وبدأت أعمال المقاومة ضد سلطات الاحتلال في الضفة وغزة، قابلت «إسرائيل» ذلك بإحياء سياستها السابقة في هدم المنازل وتهجير الفلسطينيين منها، وتشير أرقام صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن السلطات «الإسرائيلية» أصدرت بين 1988 و2014، أكثر من 14 ألف أمر هدم ضد منشآت مملوكة لفلسطينيين، الأمر الذي لا ينطبق بشكل متكافئ على «الممتلكات» المخالفة للمستوطنين من اليهود. فإذا ما نفذ فلسطيني هجوماً ضد «إسرائيليين» فإن بيته سيهدم، وإذا ما كان منزله يقع في القدس فإن احتمال هدمه يصبح شبه مؤكد، وفي حال بنيت مستوطنة بالقرب منه فسيكون وارداً جدا أن تأتي الجرافات «الإسرائيلية» وتحيله إلى أطلال، بحجة أنه «يهدد حياة المستوطنين». وفي العام الماضي أقدمت سلطات الاحتلال على هدم خمسة منازل، بعضها ممول من الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى تشريد 27 فلسطينياً، نصفهم من الأطفال.ومؤخراً، هاجم نحو ألف جندي «إسرائيلي» قرية أم الحيران الواقعة في النقب في محاولة لترحيل سكانها الأصليين، وهدم 15 منزلاً عربياً بهدف إقامة بلدة يهودية مكانها. ويتم الهدم من دون إنذار مسبق.
ولا تقتصر سياسة هدم المنازل على الضفة الغربية والقدس المحتلة فحسب، بل امتدت إلى الداخل المحتل، لتهدد الوجود الفلسطيني هناك، بذريعة عدم الاعتراف بالقرى الفلسطينية، أو البناء غير المرخص. وتزداد حدة هدم المنازل في منطقة الأغوار خاصة، بسبب المطامع «الإسرائيلية» في قضمها من الخريطة الفلسطينية، لمحاصرة الدولة الفلسطينية القادمة من الجهات كافة، وإبعادها عن مراكز المياه الجوفية. وفي خضم هذه السياسات غير المنتهية، بات مستقبل الضفة الغربية مجهولاً تماماً. وتضرب «إسرائيل» عرض الحائط بكل القوانين الدولية، وكل الدعوات للمنظمات الدولية التي تطالبها بوقف هذه الإجراءات غير الإنسانية. وتشكل هذه الممارسات خرقاً للاتفاقات «الإسرائيلية»- الفلسطينية، إضافة الى مسعاها في إفراغ أي مفاوضات للسلام بين الجانبين «الإسرائيلي»- والفلسطيني من أي محتوى أو مضمون.
وللأسف، لا تزال الجهود الدولية الساعية لإيقاف سياسة «إسرائيل» في هدم المنازل دون المستوى المطلوب، بسبب مواقف بعض دول الغرب المساندة لها في المحافل الدولية، ومع أن مجلس الأمن كان قد طالبها بوقف هدم المنازل، واحترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، لكن هذه المطالبة لم تلقَ آذاناً صاغية من قِبلها لعلمها أن هذا المجلس لا يملك القدرة على فرض عقوبات دولية عليها، أو محاصرتها، كما فعل مع دول عربية مثل العراق وليبيا. إن العدالة الدولية ستبقى منقوصة طالما استمرت «إسرائيل» في احتلال الصفة وفلسطين، وطالما ظلت تمارس سياسات عدوانية بحق الشعب الفلسطيني لا تتوافق مع أية معايير أخلاقية، فإلى متى سيبقى العالم شاهد زور، وإلى متى سيبقى الظلم قائماً على أرض فلسطين؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة